الشيخ ذبيح الله المحلاتي

46

مآثر الكبراء تاريخ سامراء

فجمال الدين بقلمه ولسانه كان أصدق ممثّل لفكر الجامعة الإسلاميّة . وقال تلميذه الشيخ محمّد عبده مفتي الديار المصريّة في ترجمته التي صدّر بها رسالة السيّد جمال الدين في الردّ على الدهريّة : إنّ السيّد جمال الدين كان حقيقة كلّيّة تجلّت في كلّ ذهن بما يلائمه أو قوّة روحيّة قامت لكلّ نظر بشكل يشاكله ، والرجل في صفاء جوهره وذكاء مخبره لم يصبه وهم الواهمين ، ولم يمسّه ضرر الخرّاصين ، في السنة الثامنة من عمره أجلس للتعليم وعنى والده بتربيته ، وأيّد العناية به قوّة في فطرته وإشراق في قريحته ، وذكاء في مدركته ؛ فأخذ من بدايات العلوم ولم يقف دون نهاياتها ، تلقّى علوما جمّة برع في جميعها منها العلوم العربيّة من نحو وصرف ومعان وبيان وكتابة وتاريخ عامّ وخاصّ ، ومنها علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه وكلام وتصوّف ، ومنها علوم عقليّة من منطق وحكمة عمليّة سياسيّة ومنزليّة وتهذيبيّة وحكمة نظريّة طبيعيّة وإلهيّة ، ومنها علوم رياضيّة من حساب وهندسة وجبر وهيأة أفلاك ، ومنها نظريّات الطبّ والتشريح ، أخذ جميع تلك الفنون عن أساتذة ماهرين على الطريقة المعروفة في تلك البلاد ، وعلى ما في الكتب الإسلاميّة المشهورة ، واستكمل الغاية من دروسه في الثامن عشرة من سنّه ، ثمّ عرض له سفر إلى البلاد الهنديّة فأقام بها سنة وبضعة أشهر ينظر في بعض العلوم الرياضيّة على الطريقة الأورپاويّة الجديدة . أمّا مقصده السياسي الذي وجّه إليه أفكاره وأخذ على نفسه السعي إليه مدّة حياته وكلّ ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله ، فهو إنهاض دولة إسلاميّة من ضعفها وتنبيهها للقيام على شؤونها حتّى تلحق الأمّة بالأمم العزيزة والدول بالدول القويّة فيعود للإسلام شأنه والدين الحنيفيّ مجده ، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقيّة وتقليص ظلّها عن رؤوس الطوائف الإسلاميّة ، وله في عداوة الانكليز شؤون يطول بيانها .